اللغة: ع E

وسط المدينة القاهرة

تاريخ وسط البلد

قد يتفاجأ الكثير من الناس عندما يعلمون أن مقارنة بتاريخ القاهرة الكبير فأن منطقة وسط البلد لا يتجاوز عمرها المائتين عام فقط، فقد كان قلب عاصمة مصر حتي منتصف القرن الثامن عشر. عبارة عن مساحات شاسعة من المستنقعات بسبب فيضان ضفتي النيل كل عام مما جعل الأراضي المحيطة غير صالحة للسكن. و كان ذلك حتي شرع الخديو إسماعيل في مشروعاته لإنشاء مدينة حديثة وهنا بدأت الملامح الحقيقية لوسط البلد في الظهور لتكون هذه المدينة نابضة بالحياة ونظيرًا لمراكز الحضارة المعاصرة الأخرى في أوربا والأمريكتين. وقد كان الخديوي إسماعيل يحتذي خطى مخطط المدن الفرنسي "البارون هوسمان" لوضع الإطار الهندسي لمنطقة وسط البلد الجديدة.     

أستقرت ضفاف النيل و بدأت خطة الخديو في أنشاء حي الاسماعيلية "حي وسط البلد كما نعرفه الأن" بداية من الثكنات البريطانية حتي قصر عابدين  فوضعت الشوارع العريضة المحاطة بالأرصفة المخصصة للمشاه التي تعتبر نادرة بعض الشئ في مصر حتي يومنا هذا،  وتم توصيل الشوارع بسلسلة من الميادين المزينة بتماثيل الشخصيات المرموقة في المجتمع المصري، ثم ظهرت الحدائق العامة ما بين القصور والفيلات التي ضمت الطبقة الأرستقراطية في القاهرة.  أستمرت المنطقة في التطور وغمر المهندسين المعماريين من الشرق الأوسط وأوروبا المشهد بالكثير من التصميمات المعمارية التي يطلق عليها الأن معمار العصر الجميل

في  بداية القرن العشرين سادت الثقافات المتعددة وأصبح حي وسط البلد يسكنه المصريون والأوربيين علي حد سواء، وشمل سكان الحي العديد من رجال الدولة والفنانين و المثقفين والباعة وتحولت وسط البلد سريعًا إلى مركز لأزدهار النشاطات الثقافية والتجارية والسياسية ليتحقق حلم الخديو إسماعيل ويصبح حقيقة.   

في العقود  التالية أصبحت وسط البلد مصدر الإلهام لكثير من الفنانين والأدباء المصريين الذين أعتادوا مقاهي وسط البلد يوميا كما أمتلأت شوارع القصر العيني وطلعت حرب بسكان القاهرة المتابعين للموضة لزيارة المتاجر الأنيقة بحثًا عن آخر الموديلات الأوربية، كما أجتاح محبي السينما سينمات وسط البلد الجذابة لحضور العروض الأولي للأفلام المصرية والأجنبية، وامتلأت المقاهي والنوادي الأجنبية بالدبلوماسيين كما أعتاد النشطاء السياسيون مناقشة التطورات السياسية وهم يشربون القهوة ويدخنون الشيشة.   

عندما أراد سكان القاهرة الاحتفال كانت وسط البلد هي المكان المقصودـ كما كانت أيضا المكان للاعتراض والأحتجاج حيث امتلأت منطقة وسط البلد خصوصًا في شارع طلعت حرب وميدان التحرير بالمصريين المحتجين ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 وأيضًا في عام 1952 للاحتفال بنجاح ثورة الضباط الأحرار. 

بعد الثورة وفي عصر الرئيس جمال عبد الناصر بدأت وسط البلد في التغير مجددًا حيث أن الدولة بدأت تسيطر تدريجيا علي العديد من المؤسسات والمباني.   

علي الرغم من أن الحي ظل نابض بالحياة والحياة السياسية، تم تغير العديد من أسماء الشوارع وهدم الكثير من المباني في محاولة للتخلص من ذكري النظام البائد.

وفي هذا الوقت بدأ العديد من سكان وسط البلد بالرحيل بعيدًاً إلى أماكن أخرى مثل المعادي ومصر الجديدة ومؤخراً إلى المهندسين وأستمر هذا التوسع والرحيل إلى المدن الجديدة حتي يومنا هذا تاركين وسط البلد التي كانت يوما منطقة سكنية راقية لتصبح شبه مهجورة من قبل بعض شرائح المجتمع. أغلقت الكثير من الشقق بسبب النزاع علي الإيجار والملكية المجزئة وتحول معمار الزمن الجميل إلى هيكل من المجد القابل للتلاشي.  

ورغم أن منطقة وسط البلد فقدت الكثير من أهميتها بكونها حي سكني وساء حال الكثير من المباني المتبقية من الزمن الجميل إلا أن المنطقة لاتزال تحتفظ بجو من الأناقة ولديها إمكانية كبيرة للرجوع إلى ما كانت عليه. في السنوات الأخيرة بادرت الحكومة لأعادة تطوير الأماكن العامة في وسط البلد، علي الرغم من ذلك فإن العديد من جهود الدولة لتجميل المنطقة معلقة قيد الانتظار حتي الآن. وعدت العديد من مبادرات الأستثمار الخاص من بينهم حملة التنشيط الخاصة بشركة الإسماعيلية وعدت بإن تعيد الحياة مجددًا لوسط البلد كحي متعدد الوظائف  ليعكس الطابع الحضاري والغني للشخصية المصرية. وبعد الصحوة المصرية في الخامس والعشرين من يناير في عام 2011 استعادت وسط البلد مكانتها في قلوب المصريين كمنطقة عامة و فريدة والتي تمثل الهوية المصرية النابضة بالحياة.